Articles

Tuesday 09th June 2020
الكابيتال كنترول في لبنان .. قانون يشرع ضبط حركة ودائع غير موجودة

المصدر: lebanoneconomy.net

 

د. عطية المعلم

إذا كنت مع إقرار قانون ضبط رأس المال (كابيتال كنترول)أو ضده، فالأمر سيان، لأن الموضوع أصبح في كل الأحوال بحكم الأمر الواقع، فأموالك أيها المودع لم تعد موجودة اليوم الا على الأوراق.

 

وفي العالم نجد أن العديد من الدول والمصارف طبقت إجراءات ضبط رأس المال (حتى من دون إقراره ضمن قانون أحياناً) كخطوات استباقية وقائية تفادياً للوقوع في أزمات مرتقبة، أما لبنان فكان يعيش في حالة نكران الى أن وقعت الواقعة. فالبلد الذي كان يتخبط بأزمته المالية والاقتصادية منذ أكثر من 3 سنوات خبأ الشمس بإصبعه بدل أن يواجه الحقيقة ويبدأ بتطبيق إجراءات إنقاذية مسبقة، منها على سبيل المثال ضبط رأس المال (Capital Control) حتى يحتفظ بالعملة الصعبة داخل حدوده، ولو أن ذلك قد لا يعجب المودعين، بدل اللجوء الى رفع الفوائد بشكل خيالي لاستقطاب ودائع جديدة، وإقرار الهندسات المالية من قبل المصرف المركزي التي أمعنت في تعميق الأزمة بدل حلها. ولو أننا اعتمدنا هذه السياسة من قبل لما كان وقع الكابيتال كنترول قاسياً على المواطن والاقتصاد كما هو اليوم.

 

وأتت ثورة تشرين لتكون القشة التي قسمت ظهر البعير، وكشفت النظام المالي الهش. فالمصارف التي استثمرت الجزء الأكبر من أموالها مع الدولة الفاسدة والمفلسة، بدل أن توزع استثماراتها ومخاطرها، في الداخل والخارج وعبر المصارف المراسلة، لم تستطع تلبية ودائع عملائها الذين تدفقوا مرة واحدة لسحب أموالهم، وهنا اضطرت المصارف الى تشديد الإجراءات وتطبيق الكابيتال كنترول كأمر واقع ومن دون أية تشريعات، للحفاظ على ملاءتها وحتى لا تعلن إفلاسها. علماً أن أي مصرف في العالم إذا تعرض لما نسميه Run To Bank أو هجمة لسحب الودائع لن يستطيع تلبية حاجات السوق ضربة واحدة مهما كان محتاطاً، فكيف إذا لم يكن؟

 

وفي الفترة الأخيرة بدأ الحديث عن تشريع الكابيتال كنترول، الذي كان يرفضه في البداية رئيس مجلس النواب رفضاً قطعاً باعتباره سطواً على ودائع الناس، لكن هذا التشريع بدأ اليوم يلاقي تجاوباً أكبر من كافة الأطراف، لمنع الاستنسابية في التعامل مع المودعين وفرض ضوابط على التحاويل والاستثناءات بالتساوي على الجميع، وحفاظاً على ما تبقى من أموال داخل البلد، بعد أن خرجت المليارات قبل وبعد الثورة. والأهم يأتي هذا التشريع لحماية المصارف من الإفلاسات ومنع رفع دعاوى من قبل المودعين عليها. 

 

لكن المؤسف أن أي محاولات للدفاع عن المصارف لن تجدي نفعاً، لأن القطاع انتهى في لبنان. والدليل أن جمعية المصارف قالت باستحالة تطبيق ما ورد في القانون المقترح لجهة الأرقام الكبيرة من العملات الأجنبية التي سيسمح بتحويلها الى الخارج والتي ستكون كفيلة باسقاط بعض المصارف إذا بقي السقف الذي اشار اليه المشروع عند حدود الـ 50 الف دولار سنويا لمن يستفيد منه، الأمر الذي أكّد عليه أيضاً صندوق النقد الدولي الذي اعتبر أن القانون المنتظر قد يؤدي الى اخراج حوالى عشرة 10 مليارات دولار سنويا الى الخارج، واقترح تخفيض المبلغ الى 25 ألف دولار. وكل ذلك يؤكد أن المصارف لا تمتلك السيولة حتى لتطبيق بعض الاستثناءات على التي يطرحها القانون الجديد للكابيتال كنترول. وبالتالي أسقط سلامة هذا القانون، لإغفاله 4 نقاط اساسية أبرزها: السيولة المتوافرة، السرية المصرفية، تبيض الأموال، والجهة المخوّلة مساءلة المصرف المخالف (المحاكم المدنية، الجزائية او الهيئة المصرفية العليا). ونحن الآن بانتظار قانون جديد.

 

على كل حال هذا الانكشاف والانهيار المصرفي كان ليحصل عاجلاً أم آجلاً، حتى لو لم تحصل ثورة 17 تشرين ويتهافت الناس لسحب ودائعهم، لأن لبنان كان يعيش حالة تسمى Ponzi Scheme أو مخطط بونزي وهو شكل من أشكال الاحتيال يتمثل بوعود بالربح الكبير، ويموّل هذا الربح من تدفق رأس المال نفسه حتى انفجار فقاعة المضاربة، التي ورطت فيها الدولة وحكومات المحاصصة والطائفية المتعاقبة المصارف والمصرف المركزي. وخطأ القطاع المصرفي أنه استرسل مع الدولة، في الوقت الذي كان يجب أن ينتبه لأنه مؤتمن على ودائع الناس. 

 

والمخرج الوحيد بالنسبة للبلد الآن هو ضخ كتلة نقدية جديدة نأمل أن تكون عبر صندوق النقد، والاستثمارات المرافقة لخطة الإصلاح عن طريق المشاركة بين القطاع العام والقطاع الخاص BOT أو PPP. علماً أن هذه الاستثمارات لا يطبق عليها قانون الكابيتال كنترول ولديها حرية في تحويل أموالها وأرباحها الى الخارج، وهذا ما ستفعله على الأرجح، الا إذا دخل لاعبين جدد على السوق المصرفي في لبنان، لأن الثقة بالقطاع المصرفي الحالي أصبحت مضطربة. 

 

وفي النهاية، نحن جميعاً حكومة وقطاعاً مصرفياً وشعباً ساهمنا في إفلاس البلد وإفلاس المصارف وإفلاس أنفسنا. فالشعب عاش على النظام الريعي، وكسب فوائد مضخمة وخيالية من المصارف التي كانت تطبخ الصفقات مع العصابة الحاكمة، وفي لعبة تذاكي أوقعت الجميع في الهلاك.

Related Articles