Blog

Wednesday 12th August 2020
لمحة عن التاريخ الاقتصادي الحديث للبنان

إنّ الوضع الاقتصادي الحالي في لبنان هو نتيجة تراكمية للاستراتيجيات والسياسات والأحداث السابقة. إنّ فهم العوامل التي أدّت إلى اقتراح الهيركات يستدعي الرجوع إلى الثلاثين سنة الماضية وتحليلها من منظوريْن مالي واقتصادي. إن الأحداث التي أدّت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الأزمة التي نشهدها اليوم هي:

  1. الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت من 1975-1990 ودمّرت البنية التحتية الاقتصادية للبنان.
  2. بعد الحرب، أطلقت الحكومة اللبنانية برنامج إعادة إعمار بقيمة 20 مليار دولار أمريكي الذي ساهم في:
  • تخفيض التضخم السنوي من 1005٪ إلى حوالي 5٪ بين عامي 1992 و 1998
  • زيادة احتياطي العملات الأجنبية من 1.4 مليار إلى 6 مليار
  • نموّ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 8٪ عام 1994، و 7٪ عام 1995، و 3٪ عام 1997-1998، و 1٪ عام 1999. أمّا نتائج عام 1996 فتأثرت بعملية عناقيد الغضب الإسرائيلية في أبريل من ذلك العام.
  • تأسيس شركة سوليدير والتي تبلغ قيمتها الى 2 مليار دولار أمريكي، للمساهمة بإعادة إعمار وسط بيروت.
  1. تدريجياً، أُعيد فتح سوق الأوراق المالية وبدأت البنوك وشركات التأمين الدولية بالاستثمار في لبنان من جديد.
  2. تمّ ربط الليرة اللبنانية بالدولار الأمريكي منذ عام 1997 وحُدِّدَ سعر الليرة عند 1507.5 مقابل الدولار ممّا أدّى إلى ارتفاع سعر العملة مقارنة بالإنتاج الوطني، بالإضافة الى الإتّكال على التحويلات المالية للحفاظ على الاقتصاد وعلى قيمة العملة.
  3. اتّبعت الحكومات نظام سوق حرّ تنافسي الذي كان ولا يزال موضع تساؤل، خصوصاً أنّ الحصريّات، التي تتعارض مع مفهوم هذا النظام تسيطر على الاقتصاد بأكمله. كما لم يفرض منهج ال “laisser faire” التجاري التقليدي أيةّ قيود على النقد الأجنبي أو حركة رؤوس الأموال.
  4. وفي ضوء ازدياد حجم الدين العام وغياب أيّة مشاريع لتعزيز الإنتاجية، أُفسح المجال للمزيد من الفساد والإنفاق الحكومي على الأجور، وخدمات الديون، و “نفقات” أخرى غير محددة.
  5. رمت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 فرصة ذهبيّة في حضن القطاع المصرفي اللبناني. إذ أنعشت هذه الأزمة  سوق العقارات بسبب فائض 20 مليار دولار في ميزان المدفوعات، وكان ذلك نتيجة إحالة رؤوس أموال المغتربين الى البنوك اللبنانية بين 2006-2010 ، ويعود ذلك إلى انعدام الثقة في الاستثمار الأجنبي خصوصاً خلال وما بعد عام 2008.
  6. صُنِّف أداء لبنان في 2008 الأفضل في العالم بسبب زيادة بورصة بيروت بنسبة 51٪ بحسب مؤشر MSCI.
  7. بعد عام 2011، تأثر الاقتصاد المحلي بالحرب الأهلية السورية، حيث شهد نمو للمعدّل السنوي نسبته 1.7٪ خلال عام 2011 وحتى عام 2016.
  8. قام البنك المركزي ببدء سلسلة من المعاملات أسماها “هندسة مالية”، والتي كانت تقوم على تبديل الليرة اللبنانية بالدولار الأمريكي بفائدة باهظة تصل إلى 30٪. ووفقاً للحاكم، فإن هذه المقايضات كانت ضرورية بسبب المخاطر الوشيكة في ذلك الوقت والحاجة الماسّة للحفاظ على استقرار العملة الذي يلعب دوراً أساسياً في الحفاظ على الأمن الاجتماعي.
  9. خلال هذا الوقت، كانت البنوك تحقق أرباحاً مذهلة ولكنّها لم تكن إلاَّ حبراً على ورق.
  10. تمّ دفع الفوائد المستحقة للمودعين السابقين باستخدام ودائع العملاء الجدد. وبهذا، كانت تطبّق مخطط بونزي أو مخطّط إحتيال هرمي ممنهج.
  11. كانت البنوك تعرض على المودعين فوائد عالية جداً بالرغم من عدم قدرتها على جنْيِها. وقد أدّى ذلك إلى شلّ في العجلة الاقتصادية، إذ جذبت هذه السياسة كبار المستثمرين الذين أودعوا أموالهم في البنوك أملاً بتحقيق أرباح وعائدات أكبر بدلاً من استثمارها في مشاريع تفيد الاقتصاد المحلّي. وكانت النتيجة استنزاف السوق من السيولة وخداع المودعين الذين كانوا يعتقدون بأنّهم يحققون أرباحاً هائلة.
  12. بينما كان حجم الودائع يأخذ بالازدياد، كانت السيولة تتقلّص بشكل ملحوظ. وفي عام 2019، وصل الدين العام إلى عتبة جديدة بلغت 90 مليار دولار أمريكي.
  13. تعتمد هيكلية الميزان التجاري للبنان بالكامل على الخدمات كالقطاعين المصرفي والسياحي وتهمل قطاعات أخرى منتجة مثل الصناعة والزراعة. إذ بلغ عجز الميزان التجاري عام 2007 الى 20.3 مليار دولار أمريكي. وفي العام ذاته، استوردت البلاد سلع وخدمات بقيمة 23.1 مليار دولار أمريكي في حين بلغت صادراتها 2.8 مليار دولار أمريكي.
  14. وصلت خسائر البنك المركزي إلى مستويات غير مسبوقة بسبب انعدام الشفافية وتكرار عمليات المقايضة المالية، أو بعبارة أخرى ما أسمته الحكومة بالهندسة المالية.

وقد أدّى الاخفاق المتواصل على الصعيدين السياسي والاقتصادي إلى ارتفاع معدلات البطالة والتضخم العقاري وارتفاع تكاليف المعيشة، ممّا دفع باللبنانيين إلى الشارع وبدء حركة ثورة تشرين في أكتوبر 2019.

إنّها بالفعل دوّامة من الفساد لن تنتهي طالما أن مجموعة من أمراء الحرب والميليشيات تهيمن على البلاد، وتسود المحسوبية التي وضعت النخب السياسية والاقتصادية الفاسدة في مواقع السلطة. وفي بيئة كهذه، لن نستطيع أن نحارب الفساد أو نتخذ أية إجراءات قضائية مناسبة لمكافحته.

ووفقاً لمنظمة الشفافية الدولية غير الحكومية، احتل لبنان المرتبة 138 من بين 180 دولة وفقاً لمؤشر مدركات الفساد في عام 2016. وسبّبت دوامة الفساد هذه بعدم المساواة الاجتماعية وخلق فجوة كبيرة بين طبقات المجتمع، إذ يسيطر نسبة 1 في المئة الأغنى بين سكان لبنان على 25 في المئة من إجمالي الدخل الوطني، مما يضع لبنان بين أكثر الدول غير المتكافئة في العالم.

عواقب هذه السياسات والاستراتيجيات الخائبة:

  • خسائر غير محسوبة للبنك المركزي والحكومة
  • نقص السيولة الخارجية
  • عدم القدرة على سداد الديون الخارجية
  • النقص في السلع الرئيسية كنتيجة مباشرة لنقص السيولة الخارجية
  • الانهيار الجزئي للقطاع المصرفي
  • عدم الثقة في الجهاز المصرفي مما دفع معظم اللبناني في بلدان الاغتراب إلى الامتناع عن تحويل أو إيداع المزيد من الأموال في المصارف اللبنانية.
  • انهيار العملة اللبنانية مقابل الدولار.
  • تضخم مفرط

يلجأ المسؤولون إلى الهيركات كما لو كانت هي الخطة الوحيدة المتاحة للخلاص. كما لو أنهم نسوا تماماً…

يتبع

تحياتي الحارة،

د. عطيه المعلم

Related Blog