Articles

Friday 08th May 2020
"اليوروبوندز" بين الدفع والتأجيل مصائب لبنان عند المصارف.. فوائد!

المصدر: جريدة الديار

 

د. عطية المعلم

بداية "اليوروبوندز" هي سندات دين بغير العملة المحلية للدولة المصدرة لها. وقد ظهر هذا المصطلح للمرة الأولى خلال الحرب العالمية الثانية، حين اضطرت أوروبا للاستدانة من الولايات المتحدة بالدولار لتمويل إعمار ما خلفته الحرب. وعادة أسعار هذه السندات تثبت أو تنخفض حسب مؤشر مخاطر وتصنيف البلد المصدّر، على أن تدفع عند الإستحقاق بنفس قيمة الشراء. وفي حالة لبنان فـ "اليوروبوندز" هي سندات دين على الدولة اللبنانية بعملة غير الليرة وبفائدة ومدّة محددتين مسبقاً، ويحق لحاملي هذه السندات الحجز على أصول الدولة أو الاستيلاء عليها إذا تخلفت الدولة عن تسديد قيمة هذه السندات.

 

واليوم مع الأزمة المالية والاقتصادية التي يمرّ بها لبنان والنقص الحاد بالعملة الأجنبية لدى المصرف المركزي، اختلفت الآراء حول أولوية دفع أو تأجيل سندات اليوروبوندز للعام 2020. وبداية مع استحقاق آذار، فالمنطق يقول أن على الدولة الا تدفعه، خصوصاً أنها تعلم علم اليقين أنها سوف تتخلف عن دفع اسحقاقات شهري نيسان وحزيران لأن ليس لديها الموارد الكافية لذلك. فدفع استحقاق آذار لن يقدّم شيئاً بل سيزيد الأمور تعقيداً بخفض احتياطيات البلد من العملة الأجنبية الضرورية لاستيراد المنتجات الاستهلاكية الإلزامية مثل النفط والقمح والمواد الطبية وسواها. 

 

لكن السؤال هنا: لماذا تصرّ بعض الهيئات على دفع استحقاق أذار؟ وهل نكتشف خلف ذلك فضيحة كبرى؟

في التفاصيل نرى أن قيمة استحقاق أذار هي 1.2 مليار دولار، كان منها عند الاكتتاب 300 مليون ديون خارجية و900 مليون دولار ديون داخلية اكتتبتها المصارف اللبنانية، التي قام بعضها بعد فترة بتسيل ما قيمته 500 مليون دولار من سنداتها عبر منصة Ashmore Fund البريطانية، معلّلة ذلك بحاجتها للعملة الصعبة لتلبية الودائع والاعتمادات المستندية والمصاريف العامة. وهنا تكبدت تلك المصارف خسارة حوالي 30 % من قيمتها، إذ تمّ تسييل "اليوروبوندز" بأسعار مخفضة (حوالي 70$). ولديّ قناعة بأنه تم شراء تلك السندات من جديد من المستثمرين، حيث أنهم يعولون على أن الدولة سوف تضطر لتسديد الدين الخارجي بقيمته الإسمية البالغة 100$، مما يحقق لهؤلاء فارق السعر أرباحاً طائلة، رغم كل ما قد يؤدى اليه هذا التصرف من أضرار مالية في ظل الأزمة الحالية الخطرة. ومن الضروري هنا أن تتحرى الدولة في هذا الموضوع ومن هو المستفيد النهائي من هذه العمليات، وذلك عبر ما يسمى بالـ Euro Clear والـ CFA، فالموضوع لا يمكن أن يمرّ مرور الكرام لأن البلد على شفير الهاوية، وهناك من يتلاعب بمصالحه بطريقة غير شرعية وغير مسؤولة. 

مع العلم أن الحكومة العتيدة كان بإمكانها تدارك أزمة "اليوروبوندز" بطريقة علمية باتخاذها في وقت سابق قراراً رسمياً بتأجيل دفع ديونها عبر ما يسمى بالـ Moratorium، وذلك بأن تجتمع مع الدائنين وتقوم بإعادة التفاوض معهم وطرح طريقة جديدة للدفع، خصوصاً أنها كانت تعلم مسبقاً أن لديها مشكلة سيولة قادمة.

وأمام الواقع الذي وصلنا اليه اليوم ما هي حسنات وسيئات دفع أو تأجيل سندات "اليوربوندز" للعام 2020؟ فالدفع يعني إخراج مبلغ ضخم من العملة الأجنبية في الوقت الذي نحن بأمس الحاجة اليها لاستيراد المواد الأساسية، خصوصاً في ظل غياب الإنتاج. إضافة الى ذلك فإن التضخم سوف يزداد وبالتالي البطالة والفقر. وثالثاً قد تضطر الدولة الى تحويل جميع الودائع بالعملة الأجنبية الى الليرة لتسديد التزاماتها، علماً أن مؤشرات هكذا موضوع بدأت تظهر. أمّا إذا لم ندفع سندات "اليوروبوندز" فإننا سوف نعتبر متخلفين عن الدفع، وبالتالي سوف ينخفض التصنيف الائتماني للبلد أكثر وأكثر، وسوف نفقد ثقة المجتمع الدولي. وأمام هذين الشرّين من الأفضل عدم الدفع لأننا بذلك نحافظ على ودائع الناس وأرزاقهم، مع شرط أساسي أن تكون هذه الفترة فرصة للسياسيين لوضع خطة إنقاذيه اقتصادية ومالية شاملة للبلد. وهناك العديد من الحلول المتاحة للإنقاذ، إذا وجدت النية وأزيحت جميع العوائق التي تضعها بعض الأطراف المستفيدة. ومن أبرز هذه الحلول وقف الهدر في الكهرباء، التي يمكن أن تتوقف الدولة فوراً عن إنتاجها والإعتماد لفترة معيّنة على المولدات، وبهذه الخطوة الأولى نكون قد وفرنا الـ 2 مليار دولار التي نهدرها، وبعدها يمكن استدعاء الشركات العالمية لتستثمر في الكهرباء عن طريق الـ B.O.T، وبذلك يبدأ الإنتاج بعد 9 أشهر، والربح بعد 21 شهراً. لكن هل هناك النية لوقف الهدر في الكهرباء؟ هذا هو بيت القصيد.

 

لكن اليوم ما الذي أوصل لبنان الى هذه الأزمة المالية والنقدية؟ 

بالعودة قليلاً في التاريخ نرى أن ما يمرّ به لبنان الآن شهدنا أزمة مماثلة له في الثمانينات، الا أننا لم نشعر حينها بوطأتها لأن السياسة النقدية في تلك الفترة كانت أكثر حرصاً، والمصارف كان لديها احتياطات كبيرة من العملات الأجنبية مع المصارف المراسلة، فعندما انخفضت قيمة العملة وارتفع الدولار من ليرتين الى 3000 ليرة، استخدمت المصارف تلك الاحتياطات لسدّ الخلل. بينما اليوم المصارف وظفت معظم أموالها مع الدولة والمصرف المركزي طامعة بالفوائد والعائدات المرتفعة، دون الأخذ بعين الاعتبار تنويع وتوزيع المخاطر لحماية مساهميها ومودعيها. والسؤال لماذا ترك حاكم مصرف لبنان الأمور تصل الى هذه المرحلة مع العلم أنه كان بالإمكان تداركها قبل أن تحصل المشكلة؟

ومن الأخطاء الاقتصادية الجسيمة أيضاً التي أدت الى الأزمة المالية اليوم، هي دولرة الاقتصاد، حيث العرض الكبير للدولار يضعف الليرة. وهنا أذكر معالي الوزير السابق جورج قرم الذي أصدر قانوناً بحصرية التعامل بالليرة اللبنانية فقط عام 1999، الا أن القرار لاقى الكثير من المعارضات، لأن خلف الكواليس كان المضاربون بالعملة يجنون المليارات. 

وفي النهاية إن ما نشهده اليوم هو مؤامرة موصوفة بحق الشعب اللبناني، كان من نتائجها الأولى تعويد الناس على سعر صرف 2000 ليرة للدولار، وصولاً ربما الى 3000، والدلائل تشير الى إمكانية تحرير سعر الصرف كلياً بعد فترة، الأمر الذي سوف يرفع معدلات الفقر الى مستويات قياسية. والمؤامرة لن تنتهي هنا، فالعيون اليوم متجهة نحو النفط، الذي سيرفع من جديد تصنيف لبنان وتعود الدول المانحة لدعم البلد، وتعود السرقات والمحاصصات وفي حلقة مفرغة لا خروج منها، بانتظار المعجزة.

Related Articles